يا كربلاءُ وقلبُنا فيكِ انصَدَعْ=والدَّمعُ فوقَ الخَدِّ يَوماً ما انقَطَعْ يا كربلاءُ، لمَ السماءُ تلبَّدتْ=والدَّهرُ في سبطِ الرسولِ فما صَنَعْ؟ ذابتْ قلوبُ العاشقينَ على الثَرى=وتلهَّفَ الجُرحُ القديمُ إلى الوَجَعْ فمَضَتْ إليكِ جَوارحٌ مَشدوهةٌ=تَنعَى مُصاباً للفجائعِ قد جَمَعْ وتوزَّعَتْ فيكِ القلوبُ مَوَاجِعاً=واشتدَّ في الآهاتِ صوتٌ مِن جَزَعْ سافرتِ بالأرواحِ نَحوَ مُصابِهم=ففَتحتِ أبواباً لسِرٍّ قد قَبَعْ ورِمالُكِ الحمراءُ خيَّمَ حُزنُها=لِدَمٍ على أرضِ الطفوفِ قدِ اجتَمعْ تلكَ الرمالُ قدِ ارتوَتْ بدِمائِهِ=فمَضَت لتبكيَ والأنينُ قدِ انسَمَعْ ما بينَ ذِكرى العَاشقينَ ودَمعِهَم=يَتلوْ الصَدَى قَسَمَ الولاءِ لِمَنْ وَقعْ هوَ للشهادةِ في العُلا مِعيارُها=وإليهِ ميزانُ المَكارمِ يُرتَجَعْ ومَنِ القلوبُ إذا افتَدَتْ في حُبِّهِ=سَطعتْ، ونورُ الشمسِ مِنها قد سَطعْ *** هذا الحُسينُ، بِمَن سِواهُ تَجمَّعتْ=كلُّ الفَضائلِ والمكارمِ والوَرَعْ هذا الحُسينُ، وقد تَجَلَّى مَجدُهُ=وبه يُعرَّفُ كلُّ مَجدٍ إنْ سَطَعْ هو للبُطولةِ آيةٌ مَكنونَةٌ=وبها جَبينُ العاشقينَ قدِ ارتَفَعْ وهو السماءُ إذا تواضَعَ رِفعَةً=وهو الصِراطُ فمَن تَنحّى قد وَقَعْ وهوَ السفينةُ مَنْ تَخلَّفَ رَكبَها=يَشقَى، ويَنجو مَنْ لمَركِبِهِ اتَّبَعْ جَمَعَ المَفَاخِر كُلَّها في ذاتِهِ=مَنْ ذا سِواهُ لِكلِّ فَخرٍ قد جَمَعْ *** يا كربلاءُ، على ثراكِ تمدَّدَتْ=أجسادُ صُحبٍ ظاهِرٌ مِنها قِطَعْ وأحاطتِ البَلوى بسِبطِ المُصطَفى=فاستعظَمَتْ كلُّ النَوائبِ مَا وَقَعْ مَضتِ الوجوهُ الطاهراتُ أمامَهُ=وتلاشَتِ الأصواتُ كُلٌّ قد صَرَعْ وبَقَى وَحيداً ليسَ حولَ خيامهِ=إلّا اليَتامى والعُطاشى في وَجَعْ ظمآنَ، لكنْ لم يُساوم خَصمَهُ=هيهاتَ أنْ يَروَى الرفيعُ إذا خَضَعْ نادَى: ألا مِنْ نَاصِرٍ؟ فتَزلزلَتْ=أركانُ أملاكِ السماءِ لِما انسَمَعْ فأتتهُ زينبُ بالجوادِ، وقَلبُها=لمْ يَحتمِلْ ذاكَ الفِراقَ… وما مَنَعْ ثمَّ انحَنَت تُهدي الوَدَاعَ لنَحرِهِ=قد تمَّ عَهدُكِ يا بَتولُ، وقَد وَقَعْ ومَضى إلى المَيدانِ يَحمِلُ سَيفَهُ=والصبرُ، كلُّ الصبرِ فيهِ قدِ اجتَمَعْ لَمْ تَنتهي مِنهُ الحِكايةُ حِينَما=كُتِبَتْ، وسَطرُ الكونِ مُدَّ… فما اتّسَعْ *** وهَوَى هُناكَ، فمَاجَ بَحرُ مَصائِبٍ=وتلاطَمَتْ أمواجُها مِمَّا وَقَعْ وبَكتهُ عَينُ المُصطفى وبَتولِهِ=ونَعَى عَليٌّ… قلبُ زينبَ ما صَنَعْ؟ أمَّ المَصَائبِ والدَمُوعُ فَريضةٌ=تلكَ المآتِمُ للمُصابِ هِي الرُكَعْ وتوارثَتها أعينٌ عَن أعينٍ=مَن فاضَ دَمعُ ولائِهِ فيهِ ارتَفَعْ وتناقلَتْهُ مَنابرٌ عَن مِنبرٍ=في قَولِ (عَجِّل) مَن لِثَاراتٍ رَجَعْ والحُزنُ في ذِكراهُ صار عِبادَةً=وشَعيرَةً في قلبِنا، لا تُنتَزَعْ يا كربلاءُ، وفي الحِكايةِ عِبرَةٌ=مَن جَاءَ مُعتَبِراً بفَحواها انتَفَعْ يَبقى الحُسينُ وإنْ تباعَدَ عَصرُنا=كالشَمسِ تُنشَرُ مِنْ شَعائِبِها الشُّعَعْ