وحين قاربوا ديارَ يثربِ= تنسموا بعبرةِ طيبَ النبي
توقفوا لم يدخلوا عليها= وارسوا « ابن حذلمٍ » إليها
ينعى الحسين باكياً منبها= يا أهلَ يثربِ دعوا البقا بها
قد قُتل الحسينُ والأنصارُ= ورأسُه على القنا يُدارُ
قوموا فها قد وصلَ السجّادُ= وأهلهُ من بعد أسرِ عادوا
فهُرِعَ الناسُ لصوتِ الناعي= بكل قلبٍ مكمّدِ ملتاعِ
وقد دعوا بالويلِ والثبورِ= على يزيدِ الشرّ والفجورِ (1)
وخرج الإمامُ وهو ينحبُ= وراح في الجمعِ الحزينِ يخطبُ
فحمد الله وأثنى وشكرْ= ثمّ مصلياً على خيرِ البشرْ
يقول قد حل مصابٌ جللُ= وثلمةٌ في الدين لا تُكتملُ
قد قُتل الحسينُ ثمّ عترته= وسبيت نباؤهُ وصيته
ودار رأسه على البلدانِ= من فوقِ رأسِ الرمحِ والسنانِ
وقد بكتهُ في السّموات العُلى= ملائكُ اللهِ وأدمعُ الملا
والأرضُ والسماءُ والبحارُ= والماءُ والجبالُ والأشجارُ
فأيّ قلبٍ فيه لم ينصدعِ= وأيٌّ أذنِ للذي صار تعي
صِرنا ونحن الآلُ مبعدينا= مقتّلين أو مشرّدينا
بغير ذنبٍ لا ولا جريمه= قد طاردتنا الزمرةُ الأثيمه (2)
ودخلوا المسجدَ في بكاءِ= والقبرُ والمنبرُ في عزاءِ
تلك تعزي بالمصابِ حيدرا= وتلك تدعو فاطماً وجعفرا
وقد بكى النبي للمصابِ= وما جرى لسيّدِ الشبابِ
وعُقدتْ مآتمُ الحسينِ= وانفجرتْ بالدمعِ كلُّ عينِ
وغرقت يثرب بالسوادِ= والحزنِ والعويلِ والحدادِ
وباتتِ المدينةُ المنوّره= تبكي على قتيلها ابن حيدره
فكل بيتِ يندبُ المطهرا= ويذرف الدمع سخيناً أحمرا
وأُنشدتْ قصائدُ الرثاءِ= وانتشرتْ مجالسُ البكاءِ
وأهلُ بيتِ المصطفى في حزنِ= لهم نياحةٌ بأشجى لحنِ
لم تعرف النسوةُ منهم طِيبا= ولم يعد بنانُها خضيبا
ولليتامى دمعةٌ وعَبره= بذكرِ مأساة شهيدِ العِتره
أبناء جعفر وولدِ زينبِ= وثلةِ من النساءِ النجبِ (3)
(1) بعد أن مكث الإمام السجاد عليهالسلام مع العائلة ثلاثة أيام في كربلاء قضوها بالندب
والبكاء والحسرات ، توجهت القافلة إلى يثرب حيث قبر النبي صلىاللهعليهوآله والأهل والعشيرة.
ولمّا وصل الإمام زين العابدين عليهالسلام بالقرب من يثرب نزل فضرب فسطاطه وأنزل عماته
وأخواته ، والتفت إلى بشر بن حذلم فقال له : يا بشر ! رحم الله أباك لقد كان شاعراً فهل
تقدر على شيء منه ؟ فقال له : نعم يا ابن رسول الله ، فأمره الإمام أن يدخل المدينة وينعى
لأهلها الإمام الحسين عليهالسلام وانطلق بشر إلى المدينة ، فلمّا دخل المدينة اتّجه نحو المسجد
النبوي الشريف ورفع صوته بالبكاء عالياً وهو يقول :
يا أهلَ يثرب لا مقام لكم بها
قُتلَ الحسينُ فأدمعي مدرارُ
الجسم منه بكربلاء مضرجٌ
والرأس منه على القناة يُدارُ
وهرع الناس نحو المسجد النبوي الشريف وقد علا صراخهم بالبكاء على الإمام الشهيد ،
وهم يلتفون حوله ويطلبون المزيد من الأخبار وبشر غارق بالبكاء فقال لهم : هذا علي بن
الحسين عليهالسلام مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم وأنا رسوله إليكم أعرّفكم مكانه.
(2) يصف بعض المؤرخين لقاء الإمام السجاد عليهالسلام مع الجماهير التي استقبلته على أبواب
المدينة كاليوم الذي مات فيه رسول الله صلىاللهعليهوآله لكثرة البكاء والنحيب وأولاد الإمام عليهالسلام أن
يحدث الناس بما جرى عليهم من عظيم الرزايا والنكبات بقتل الحسين عليهالسلام وأهل بيته فجيء
له بكرسي فجلس عليهالسلام : الحمد لله ربّ العالمين ، الرّحمن الرّحيم ، مالك يوم الدين ، بادىء
الخلق أجمعين ، الذي بعد فارتفع في السموات العلى ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده على
عظائم الأمور ، وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ، ومضاضة اللواذع ، وجليل الرزء ، وعظيم
المصائب الفاضعة ، الكاظة ، الفادحة ، الجائحة.
أيُّها القوم إنّ الله تعالى إبتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في الإسلام عظيمة ، قُتِل أبو عبد الله
الحسين وعترته ، وسبيت نساؤه وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالٍ السنان ،
وهذه الرزيّة التي لا مثلها رزيّة.
أيُّها الناس فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله أم أي فؤاد لا يحزن من أجله أم أيّة عين
منكم تحبس دمعها ، وتضن عن انهمالها ، فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، وبكت البحار
بأمواجها. والسموات بأركانها ، والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها ، والحيتان في لجج
البحار ، والملائكة المقرّبون ، وأهل السموات أجمعون.
أيها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله ، أم أي فؤاد لا يحن إليه ، أم أي سمع يسمع بهذه
الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصم.
أيُّها الناس أصبحنا مشردين ، مطرودين ، مذودين ، شاسعين عن الأمصار كأننا أولاد ترك
وكابل من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ما سمعنا
بهذا في آبائنا الأوّلين ، إن هذا إلّا اختلاق ، والله لو أنّ النبيّ تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدم
اليهم في الوصية بنا لما زادوا على ما فعلوه بنا ، فإنّا لله وإنّا اليه راجعون ، من مصيبة ما
أعظمها ، وأفضعها وأمرها ، وأفدحها ، فعنده نحتسب ما أصابنا ، فإنّه عزيز ذو انتقام ...
(3) بعد خطاب الإمام السجّاد عليهالسلام الذي استعرض فيه فصول المحنة القاسية والمأساة
الرهيبة التي تعرض لها أهل البيت عليهمالسلام دخلت القافلة المدينة بالحزن والدموع والحسرات. أمّا
عقيلة الطالبين زينب عليها السلام فإنّها أنشأت تقول :
مدينة جدّنا لا تقبلينا
فبالحسرات والأحزان جينا
خرجنا منك بالأهلين طرّاً
رجعنا لا رجال ولا بنينا
ثمّ وقفت بباب المسجد وصاحت : يا جداه ! إنّي ناعية إليك أخي الحسين عليهالسلام. وصاحت
سكينة : يا جدّاه ! إليك المشتكى بما جرى علينا ، وأقامت السيّدات من عقائل الوحي
والرسالة المآتم على سيّد الشهداء ولبسن السواد وأخذن يندبنه بأشجى ما تكون الندبة.
وفي حديث الإمام الصادق عليهالسلام : ما اختضبت هاشمية ولا أدهنت ، ولا اُجيل مرود في عين
هاشمية خمس حجج حتى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد.
وأمّا الرباب فبكت على أبي عبد الله الحسين عليهالسلام حتى جفت دموعها ، وكان من رثائها
في الحسين عليهالسلام :
إنّ الذي كان نوراً يُستضاء به
بكربلاء قتيلٌ غيرُ مدفونِ
سبط النبيّ جزاك الله صالحة
عنا وجُنبتَ خُسرانَ الموازينِ
قد كنتَ لي جبلاً صعباً ألوذُ به
وكنتَ تصحبنا بالرحم والدينِ
مَن لليتامى ومَن للسائلين ومَن
يغني ويأوي إليه كل مسكنِ
والله لا أبتغي صهراً بصهركُم
حتى أغيب بين الرمل والطينِ
والبكاء والحسرات ، توجهت القافلة إلى يثرب حيث قبر النبي صلىاللهعليهوآله والأهل والعشيرة.
ولمّا وصل الإمام زين العابدين عليهالسلام بالقرب من يثرب نزل فضرب فسطاطه وأنزل عماته
وأخواته ، والتفت إلى بشر بن حذلم فقال له : يا بشر ! رحم الله أباك لقد كان شاعراً فهل
تقدر على شيء منه ؟ فقال له : نعم يا ابن رسول الله ، فأمره الإمام أن يدخل المدينة وينعى
لأهلها الإمام الحسين عليهالسلام وانطلق بشر إلى المدينة ، فلمّا دخل المدينة اتّجه نحو المسجد
النبوي الشريف ورفع صوته بالبكاء عالياً وهو يقول :
يا أهلَ يثرب لا مقام لكم بها
قُتلَ الحسينُ فأدمعي مدرارُ
الجسم منه بكربلاء مضرجٌ
والرأس منه على القناة يُدارُ
وهرع الناس نحو المسجد النبوي الشريف وقد علا صراخهم بالبكاء على الإمام الشهيد ،
وهم يلتفون حوله ويطلبون المزيد من الأخبار وبشر غارق بالبكاء فقال لهم : هذا علي بن
الحسين عليهالسلام مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم وأنا رسوله إليكم أعرّفكم مكانه.
(2) يصف بعض المؤرخين لقاء الإمام السجاد عليهالسلام مع الجماهير التي استقبلته على أبواب
المدينة كاليوم الذي مات فيه رسول الله صلىاللهعليهوآله لكثرة البكاء والنحيب وأولاد الإمام عليهالسلام أن
يحدث الناس بما جرى عليهم من عظيم الرزايا والنكبات بقتل الحسين عليهالسلام وأهل بيته فجيء
له بكرسي فجلس عليهالسلام : الحمد لله ربّ العالمين ، الرّحمن الرّحيم ، مالك يوم الدين ، بادىء
الخلق أجمعين ، الذي بعد فارتفع في السموات العلى ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده على
عظائم الأمور ، وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ، ومضاضة اللواذع ، وجليل الرزء ، وعظيم
المصائب الفاضعة ، الكاظة ، الفادحة ، الجائحة.
أيُّها القوم إنّ الله تعالى إبتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في الإسلام عظيمة ، قُتِل أبو عبد الله
الحسين وعترته ، وسبيت نساؤه وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالٍ السنان ،
وهذه الرزيّة التي لا مثلها رزيّة.
أيُّها الناس فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله أم أي فؤاد لا يحزن من أجله أم أيّة عين
منكم تحبس دمعها ، وتضن عن انهمالها ، فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، وبكت البحار
بأمواجها. والسموات بأركانها ، والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها ، والحيتان في لجج
البحار ، والملائكة المقرّبون ، وأهل السموات أجمعون.
أيها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله ، أم أي فؤاد لا يحن إليه ، أم أي سمع يسمع بهذه
الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصم.
أيُّها الناس أصبحنا مشردين ، مطرودين ، مذودين ، شاسعين عن الأمصار كأننا أولاد ترك
وكابل من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ما سمعنا
بهذا في آبائنا الأوّلين ، إن هذا إلّا اختلاق ، والله لو أنّ النبيّ تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدم
اليهم في الوصية بنا لما زادوا على ما فعلوه بنا ، فإنّا لله وإنّا اليه راجعون ، من مصيبة ما
أعظمها ، وأفضعها وأمرها ، وأفدحها ، فعنده نحتسب ما أصابنا ، فإنّه عزيز ذو انتقام ...
(3) بعد خطاب الإمام السجّاد عليهالسلام الذي استعرض فيه فصول المحنة القاسية والمأساة
الرهيبة التي تعرض لها أهل البيت عليهمالسلام دخلت القافلة المدينة بالحزن والدموع والحسرات. أمّا
عقيلة الطالبين زينب عليها السلام فإنّها أنشأت تقول :
مدينة جدّنا لا تقبلينا
فبالحسرات والأحزان جينا
خرجنا منك بالأهلين طرّاً
رجعنا لا رجال ولا بنينا
ثمّ وقفت بباب المسجد وصاحت : يا جداه ! إنّي ناعية إليك أخي الحسين عليهالسلام. وصاحت
سكينة : يا جدّاه ! إليك المشتكى بما جرى علينا ، وأقامت السيّدات من عقائل الوحي
والرسالة المآتم على سيّد الشهداء ولبسن السواد وأخذن يندبنه بأشجى ما تكون الندبة.
وفي حديث الإمام الصادق عليهالسلام : ما اختضبت هاشمية ولا أدهنت ، ولا اُجيل مرود في عين
هاشمية خمس حجج حتى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد.
وأمّا الرباب فبكت على أبي عبد الله الحسين عليهالسلام حتى جفت دموعها ، وكان من رثائها
في الحسين عليهالسلام :
إنّ الذي كان نوراً يُستضاء به
بكربلاء قتيلٌ غيرُ مدفونِ
سبط النبيّ جزاك الله صالحة
عنا وجُنبتَ خُسرانَ الموازينِ
قد كنتَ لي جبلاً صعباً ألوذُ به
وكنتَ تصحبنا بالرحم والدينِ
مَن لليتامى ومَن للسائلين ومَن
يغني ويأوي إليه كل مسكنِ
والله لا أبتغي صهراً بصهركُم
حتى أغيب بين الرمل والطينِ
عــــدد الأبـيـات
29
عدد المشاهدات
838
تاريخ الإضافة
27/09/2023
وقـــت الإضــافــة
5:05 مساءً