فخرج البغاة نحو « البصره »= وهُرعت « عائشةٌ » للنصره (1)
واجتمعوا لأمرهم في الحرمِ= وسعيُهم كان إراقةُ الدمِ
وقد أجابهم جفاةُ العربِ= مَن جحدوا « خمّاً » وخالفوا النبيّ
شعارُهم كان لأخذ الثارِ= بقتل عثمان بيوم « الدارِ »
وهو شعارٌ كاذبٌ خدَّاعُ= وخلفه يحتدمُ الصراعُ
« فطلحةٌ » يطمعُ بالإماره= وهو يخبّي في الحنايا ناره
وخلفهُ « الزبيرُ » يتبعُ ابنه= ويا لها من فتنة ومحنه (2)
فرّقتِ الأُمَةَ بعدَ جمعِ= وصمّت الآذان بعدَ سمعِ
تقودهم « عائشةٌ » على الجمل= تاركةً بذاك أفضلَ العمل
فيا « لعسكر » ويا ليومهِ= تمزقت أمتنا من شؤمهِ (3)
سار بها مزمجراً في غضبِ= حتى أتى بها لماء « الحوأَبِ »
فنبحتها عنده الكلابُ= وناح خلف رحلها الغرابُ
تذكرت قول « النبيِّ » فيها= إيّاكِ « يا حمراءُ » أن تأتيها
فصرخت ردّوا الرحال إني= نادمةٌ فالشرُّ جاء منّي
لكنّهم قد أحضروا الشهودا= واقسموا زوراً لكي تعودا
فواصلوا المسير حتى « البصره »= مختلفين عندها في الإمره
وقتلوا حُرّاس بيت المالِ= فذبحوا صبراً بلا قتالِ
واشتبكَ البغاة « بابنِ جَبله »= وصارت البصرةُ فيءَ القتله
فنهبوا الديار والأموالا= وأرعبوا النساء والأطفالا
وذاك يومُ « الجمل الصغيرِ »= اذ بقي الحقُّ بلا نصيرِ
واقبل الإمامُ بالحشودِ= خيلٍ وآلاف من الجنودِ
خاطبهم وأكثرَ الخطابا= وعجزوا أن يُفصحوا الجوابا
وعاتب الزبيرَ ثم ذكّره= بموقف خوّفه وأنذره
فغادر الزبير منه خجلا= مستبعداً عن حربه معتزلا
وقامت الحربُ على أشُدِّها= يطحنُ فيها هزلها بجدِّها
فطاحت الاكفُ والاعناقُ= وبترَ العضدُ بها والساقُ
والجملُ المشؤوم ظلَّ واقفا= وجيشه المهزوم بات خائفا
وصاح حيدرُ : ألا اعقروهُ= وحطّموا الشيطان وانحروهُ
فانهزم الجيش وطاح « الجملُ »= وحوله جمعٌ كثيرٌ قتلوا
وأَنزلوا « الهودج » باحترامِ= واستسلمت « عائشُ » للإمامِ
فأُرجعت لبيتها مكرّمه= نادمةً على انتهاكِ الحُرمه
واتّجه « الأمامُ » نحو القتلى= مخاطباً يُلقي عليهم سؤلا
بالله هل وجدتُم ما وُعِدا= حقاً فأني قد وجدتُ الرشدا ؟
ودفنَ القتلى وعاد صابرا= في مسجد البصرةِ صلّى حاسرا (4)
وأمّر ابن عمه العباسِ= حتى يصلي بعده بالناسِ (5)
(1) كانت أم المؤمنين عائشة من خصوم عثمان ، وكانت تعلن عن معارضتها علناً ، وأنه
خالف القرآن والسنة ، وقد اطلقت عليه قولها المشهور : « اقتلوا نعثلا فقد كفر » تقصد
بذلك عثمان ، لكنها عندما سمعت بأن الإمام علي صار هو الخليفة ، غيّرت موقفها تماماً ،
فإذا بها تعلن ظلامة عثمان ، وتقف موقف المعارض من الإمام علي.
وجدت عائشة في طلحة والزبير ما يحقق أهدافها ، فقد حرمهما الإمام علي من الامتيازات
الخاصة التي كانا يتمتعان بها على عهد عثمان ، إذ كانت سياسة الإمام المالية تقوم على
أساس الموازين الشرعية بعيداً عن المحاباة والعصبيات ، وهذا ما جعل طبقة المنتفعين على
عهد عثمان ، تعارض حكم الإمام علي ، وإلى جانب ذلك كان في الشام معاوية بن أبي
سفيان ، الذي كان يمتلك طموحات عريضة ويخطط لجعل الخلافة ملكاً أموياً خاصاً ، فقد
أخذ معاوية يغذي هذا الإتجاه المعارض ويتأهب لكسب الجولة.
نشط معارضو الإمام علي بشكل مكثف ، وتحركوا باتجاه البصرة ، وكانت عائشة على
ظهر جمل يدعى « عسكر » وكان شعارهم الأخذ بدم عثمان ، والغريب أن الذين رفعوا
هذا الشعار ضد الخليفة المقتول هم الذين اشتركوا في قتله ، في حين كان الإمام علي يحاول
منعهم من قتل الخليفة.
(2) طلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام.
(3) عسكر : اسم الجمل الذي كانت أم المؤمنين عائشة تركبهُ أثناء القتال في البصرة.
(4) ورد ذكر كلاب الحوأب في عدة أحاديث لرسول الله صلىاللهعليهوآله منها ما رواه ابن عباس
حيث قال : قال رسول الله : ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب ، تسير تنبحها
كلاب الحوأب ، يقتل عن يسارها وعن يمينها خلق كثير. تأريخ ابن كثير 6 / 212.
وعندما سارت عائشة لقتال الإمام مرت بماء الحوأب ، فنبحتها الكلاب فقالت : « ردوني
ردوني هذا الماء الذي قال لي رسول الله : لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب ، فأتاها
القوم بأربعين رجلا فأقسموا بالله أنه ليس بماء الحوأب » فاقتنعت عائشة وسارت معهم.
تأريخ اليعقوبي 2 / 157.
قام ناكثو البيعة والخارجون على الإمام علي ، بأعمال النهب والإعتداء في البصرة ،
وارتكبوا جرائم قتل بحق أهلها ، ومنهم والي الإمام علي في البصرة ، وقد سميت تلك
الحوادث بالجمل الصغير.
وبذل الإمام علي عليهالسلام كل محاولاته من أجل منع وقوع المعركة ، وأراد أن يعيد الخارجين
الى جادة الصواب ، لكنهم كانوا مصرّين على العناد. وكان مما قام به أن طلب التحاور
مع الزبير بن العوام ، فالتقى به وسط الجيشين ، وذكره بحديث رسول الله صلىاللهعليهوآله حيث أخبر
النبي صلىاللهعليهوآله الزبير بأنه سيخرج على الإمام علي ذات يوم وهو ظالم له.
تذكر الزبير تلك الحادثة وندم على موقفه ، فاعتذر من الامام علي عليهالسلام ، فانسحب من
المعركة ، وقبل انسحابه أراد ابنه عبد الله أن يثنيه عن موقفه ، ويزج به في المعركة ، لكنه
قرر الإنسحاب ، وليته فعل ذلك قبل حشد الحشود وجمع الجيوش لقتال علي عليهالسلام.
دارت المعركة ضارية شرسة بين المعسكرين ، وقد تفانى أصحاب الجمل في الدفاع عن
جملهم ، حتى قتل عدد كبير منهم ، فصاح الإمام علي عليهالسلام يأمر أصحابه بقتل الجمل ، لانهاء
المزيد من الدماء ، وعندما قتل الجمل انتهت المعركة بانتصار جيش الإمام ، وقد أمر عليهالسلام
بمعاملة عائشة باحترام رغم كل ما بدر منها في هذه الفتنة المدمرة.
حدد الإمام علي عليهالسلام الموقف الشرعي في التعامل مع قتال المسلمين « البغاة » حيث أعلن
العفو العام بقوله : ألا لا يجهز على جريح ، ولا يتبع مولياً ، ولا يطعن في وجه مدبر ، ومن
ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ولا يستحلن فرج ولا مال ، وانظروا ما
حضر به الحرب من آنية فاقبضوه ، وما كان سوى ذلك فهو لورثته ، ولا يطلبن عبد
خارج من المعسكر ، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم ، وليس لكم أم ولد ، والمواريث
على فريضة الله ، وأي امرأة قتل زوجها فلتعتد أربعة أشهر وعشراً.
فقال بعض أصحابه : يا أمير المؤمنين تحل لنا دماؤهم ولا تُحَلّ لنا نساؤهم ؟. فقال عليهالسلام :
كذلك السيرة في أهل القبلة. تأريخ اليعقوبي : حرب البصرة.
(5) عين الإمام علي عليهالسلام عبد الله بن عباس والياً على البصرة بعد انتهاء حرب الجمل.
خالف القرآن والسنة ، وقد اطلقت عليه قولها المشهور : « اقتلوا نعثلا فقد كفر » تقصد
بذلك عثمان ، لكنها عندما سمعت بأن الإمام علي صار هو الخليفة ، غيّرت موقفها تماماً ،
فإذا بها تعلن ظلامة عثمان ، وتقف موقف المعارض من الإمام علي.
وجدت عائشة في طلحة والزبير ما يحقق أهدافها ، فقد حرمهما الإمام علي من الامتيازات
الخاصة التي كانا يتمتعان بها على عهد عثمان ، إذ كانت سياسة الإمام المالية تقوم على
أساس الموازين الشرعية بعيداً عن المحاباة والعصبيات ، وهذا ما جعل طبقة المنتفعين على
عهد عثمان ، تعارض حكم الإمام علي ، وإلى جانب ذلك كان في الشام معاوية بن أبي
سفيان ، الذي كان يمتلك طموحات عريضة ويخطط لجعل الخلافة ملكاً أموياً خاصاً ، فقد
أخذ معاوية يغذي هذا الإتجاه المعارض ويتأهب لكسب الجولة.
نشط معارضو الإمام علي بشكل مكثف ، وتحركوا باتجاه البصرة ، وكانت عائشة على
ظهر جمل يدعى « عسكر » وكان شعارهم الأخذ بدم عثمان ، والغريب أن الذين رفعوا
هذا الشعار ضد الخليفة المقتول هم الذين اشتركوا في قتله ، في حين كان الإمام علي يحاول
منعهم من قتل الخليفة.
(2) طلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام.
(3) عسكر : اسم الجمل الذي كانت أم المؤمنين عائشة تركبهُ أثناء القتال في البصرة.
(4) ورد ذكر كلاب الحوأب في عدة أحاديث لرسول الله صلىاللهعليهوآله منها ما رواه ابن عباس
حيث قال : قال رسول الله : ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب ، تسير تنبحها
كلاب الحوأب ، يقتل عن يسارها وعن يمينها خلق كثير. تأريخ ابن كثير 6 / 212.
وعندما سارت عائشة لقتال الإمام مرت بماء الحوأب ، فنبحتها الكلاب فقالت : « ردوني
ردوني هذا الماء الذي قال لي رسول الله : لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب ، فأتاها
القوم بأربعين رجلا فأقسموا بالله أنه ليس بماء الحوأب » فاقتنعت عائشة وسارت معهم.
تأريخ اليعقوبي 2 / 157.
قام ناكثو البيعة والخارجون على الإمام علي ، بأعمال النهب والإعتداء في البصرة ،
وارتكبوا جرائم قتل بحق أهلها ، ومنهم والي الإمام علي في البصرة ، وقد سميت تلك
الحوادث بالجمل الصغير.
وبذل الإمام علي عليهالسلام كل محاولاته من أجل منع وقوع المعركة ، وأراد أن يعيد الخارجين
الى جادة الصواب ، لكنهم كانوا مصرّين على العناد. وكان مما قام به أن طلب التحاور
مع الزبير بن العوام ، فالتقى به وسط الجيشين ، وذكره بحديث رسول الله صلىاللهعليهوآله حيث أخبر
النبي صلىاللهعليهوآله الزبير بأنه سيخرج على الإمام علي ذات يوم وهو ظالم له.
تذكر الزبير تلك الحادثة وندم على موقفه ، فاعتذر من الامام علي عليهالسلام ، فانسحب من
المعركة ، وقبل انسحابه أراد ابنه عبد الله أن يثنيه عن موقفه ، ويزج به في المعركة ، لكنه
قرر الإنسحاب ، وليته فعل ذلك قبل حشد الحشود وجمع الجيوش لقتال علي عليهالسلام.
دارت المعركة ضارية شرسة بين المعسكرين ، وقد تفانى أصحاب الجمل في الدفاع عن
جملهم ، حتى قتل عدد كبير منهم ، فصاح الإمام علي عليهالسلام يأمر أصحابه بقتل الجمل ، لانهاء
المزيد من الدماء ، وعندما قتل الجمل انتهت المعركة بانتصار جيش الإمام ، وقد أمر عليهالسلام
بمعاملة عائشة باحترام رغم كل ما بدر منها في هذه الفتنة المدمرة.
حدد الإمام علي عليهالسلام الموقف الشرعي في التعامل مع قتال المسلمين « البغاة » حيث أعلن
العفو العام بقوله : ألا لا يجهز على جريح ، ولا يتبع مولياً ، ولا يطعن في وجه مدبر ، ومن
ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ولا يستحلن فرج ولا مال ، وانظروا ما
حضر به الحرب من آنية فاقبضوه ، وما كان سوى ذلك فهو لورثته ، ولا يطلبن عبد
خارج من المعسكر ، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم ، وليس لكم أم ولد ، والمواريث
على فريضة الله ، وأي امرأة قتل زوجها فلتعتد أربعة أشهر وعشراً.
فقال بعض أصحابه : يا أمير المؤمنين تحل لنا دماؤهم ولا تُحَلّ لنا نساؤهم ؟. فقال عليهالسلام :
كذلك السيرة في أهل القبلة. تأريخ اليعقوبي : حرب البصرة.
(5) عين الإمام علي عليهالسلام عبد الله بن عباس والياً على البصرة بعد انتهاء حرب الجمل.
عــــدد الأبـيـات
35
عدد المشاهدات
1119
تاريخ الإضافة
25/09/2023
وقـــت الإضــافــة
4:54 مساءً