ورمى الدماء إلى السماء
( مصيبة عبدالله الرضيع ع)
طفلُ الحسينِ أفاضَ نبعةَ مدمعي=وسقى التفجّعَ والأسى في أضلعي
إذ جاءَ يستسقي الحسينَ بشربةٍ=لرضيعِه الطهرِ الذي لم يَرضعِ
فتنازعوا، ورأى ابنُ سعدٍ رأيَه=أنۡ لا يرى فيهم قليلَ تنازُعِ
اقطعۡ نزاعَ القومِ قال لوغدِه=فرمى الرضيعَ برائشٍ متجرِّعِ
وسَقَوهُ رِيًّا من كِنانةِ حقدِهم=صنعوا الذي مِن قَبلِهم لم يُصنَعِ
ذبحوهُ في حِجۡرِ الحسينِ، وكبَّروا=وكذاك صلُّوا ظهرَهم في أربعِ !
قد جاءَهُ سهمُ المنيّةِ حيثُ لا=يُخشى عليهِ بحِجۡرِ أصيدَ أشجعِ
فإذا به كالفرخِ منتفِضًا إذا=قد صِيدَ وهو بغفلةٍ وتهجُّعِ
فاهتزَّ رغمَ الضعفِ هِزّةَ ذائقٍ=للموتِ من سيفٍ حديدِ المَقطعِ
وإذا به التفّتۡ ذراعاهُ على=جيدِ الحسينِ، ويا لها مِن أذرُعِ !
فاثنانِ حولَ الجيدِ فِعلةَ خائفٍ=واثنانِ حولَ الطفلِ فِعلةَ باخعِ
طلَعَ الحسينُ يرومُ نجدةَ طفلِه=فإذا الردى جاثٍ بذاتِ المَطلعِ!
يومُ الحسينِ ولا شبيهَ لرزئِهِ=في كلِّ أيامِ الخلائقِ أجمعِ
قد رامَ مِلءَ الكفِّ ماءً للضنى=من فيضِ نهرٍ بالسقايةِ مُترَعِ
لَبُّوا، وإذۡ كفّاهُ قد مُلئتۡ دمًا=من نحرِ طفلٍ بالظما مُتلفِّعِ
وأحسَّ رعشةَ طفلِهِ في حِجۡرِهِ=لمّا الوديعةُ أُرجِعتۡ للمُودِعِ
لو ماتَ من ظمأٍ فتلكَ مصيبةٌ=أنّى وهذا قد جرى بالأفظعِ ؟!
هذِي المصيبةُ لا تقومُ أمامَها=صمُّ الجبالِ، فكيفَ عظۡمُ الأضلعِ ؟!
إنَّ السماءَ تكادُ تسقطُ، والمدى=يفنى، وحزنُ العرشِ لمّا يُرفَعِ
والبدرُ ما زالتۡ كآبةُ وجهِه=تبدو لناظرِ نورِه المُتشعشِعِ !
والشمسُ لولا الأمرُ ما سطعتۡ لنا=ولدامَ ليلٌ في الفضاءِ البلقعِ
تا للهِ لولا الكونُ أمسكَ صُلبَه=ربٌّ، لساخَ بموضعٍ مُتضعضِعِ
ورمی الدماءَ إلى السماءِ فما هوتۡ=للأرضِ منه قطيرةٌ كالمَدمعِ
يا ربُّ لا يكُنِ الفصيلُ بأكرمَنۡ=مِن طفليَ العطشانِ حدَّ تفجُّعي
أخذَ السماءُ دِماهُ، روَّتۡ غيمَها=وتقاطرتۡ بالأحمرِ المُتدافِعِ
حارَ الوليُّ، فما يقولُ لأمِّهِ=حالَ الرجوعِ بهِ، وإنۡ لمۡ يرجعِ !
وأتى الربابَ بأحمرٍ في حِجرِه=أَغَدتۡ مياهُ النهرِ حُمۡرَ المَكرعِ ؟!
تركَ النجيعَ يقولُ، بل يرمي لها=قلبًا غدا سكَنًا لطولِ تلوُّعِ
لكنها ذُهلتۡ بخَطۡبٍ إذۡ علا=رأسُ الحسينِ على الرماحِ الشُّرَّعِ !
إذّاكَ حَرَّمتِ السقوفَ تُظلُّها=أو وجهَها يُكسى بسعدٍ يانعِ
إذّاكَ قالتۡ: يا سحابُ فلا تغِبۡ=عن مُقلتيَّ، ويا عذابُ فكُنۡ معي
تبكي الحسينَ، وذاتُ دمعتِها على=طفلِ الحسينِ وطفلِها المتقطّعِ
وتطوفُ تغسلُ مهدَه بدموعِها=وضِرامُها لا ينطفي بالأدمُعِ
وأنينُها، فالنجمُ موجوعٌ له=بل كلُّ شيءٍ حولَها بتوجُّعِ
سيّان صبحٌ والدجى في عينِها=والشمسُ إنۡ سَطعتۡ وإنۡ لم تَسطعِ
يا آلَ أحمدَ لم يكنۡ كمُصابِكم=أو قد يكونُ، بيقظةٍ أو مَهجَعِ
هذِي السطورُ وقد حوَتۡ آلامَكم=شَرِقتۡ، وقد شهِقتۡ أسىً، بالأدمعِ
أمّا اليراعُ فلا يخُطُّ مُصابَكم=إلا ويبكي تحت رجۡفِ الأُصبعِ
ونرى القصائدَ خاشعاتٍ بالأسى=ليستۡ قصائدَنا إذا لم تَخشَعِ
يا آلَ أحمدَ، مُهۡرُ صَدري رُزؤُكم=يجري هناك بحُزنِه المُتتابعِ
أبكيكمُ يا آلَ أحمدَ، ليس لي=جَرّاءَ نبعةِ أدمُعي من مَطمعِ
أرجو الشفاعةَ منكمُ، لكنّما=سأظلُّ أبكيكمۡ بغيرِ تشفُّعِ
عشقي لكم لا الأرضُ تعرفُ حدَّهُ=كلّا ولا صدرُ الفضاءِ الأوسعِ
يا أصلَ كلِّ الخيرِ، كم سفَهٍ بنا=لمّا نروحُ نرومُكم في الأفرُعِ !
تدۡرونَ أحزاني الصغيرةَ، إنّها=قد رافقتۡ عمري ودربَ توجّعي
إنّي لأخجلُ أنۡ أرومَ جلاءَها=ويظلَّ فردًا حزنُكم في أضلعي
عــــدد الأبـيـات
46
عدد المشاهدات
3386
تاريخ الإضافة
25/09/2018
وقـــت الإضــافــة
6:06 مساءً